مصطفى مسلم

100

مباحث في التفسير الموضوعي

2 - أو الخذلان والتشرد في الأرض على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو أتباعهم : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر : 51 ] . 3 - وإن بقي المكذبون برسالة الرسول فترة فهي فترة محدودة ريثما يستكمل أهل الإيمان مقومات استحقاق النصر في نفوسهم ، والعاقبة للمتقين فمآل هذه الحالة إلى إحدى الحالتين السابقتين أو الدخول في دعوة الخير والفلاح . وتهمنا الحالة الثانية - حالة التشرد والتمزق بعد انتصار دعوة الحق ، فكثيرا ما يفر المعاندون الصادون عن دعوة الحق فيلحقون شعاف الجبال وبطون الأودية والغابات النائية هربا من سيف الحق ، وعلى مر الأيام والسنين يطّرد الضياع وتتباين الأهواء ويشتد التمزق في نفوسهم بين إلحاح الفطرة التي تعرض إبراز الخضوع والتدين في حياتهم ، وبين النزوات الضالة المنحرفة فتوجد هذه المظاهر التعبدية المنحرفة من عبادة الآباء والأشجار والظواهر الطبيعية . فليست الفطرة بحال من الأحوال هي الداعية إلى هذه الأشكال المنحرفة ، بل البيئة والظروف والتأثر بالمنحرفين هي التي توجد الاتجاهات الضالة ، وخير مثل في ذلك قصة عمرو بن لحيّ الذي أدخل عبادة الأصنام في جزيرة العرب حيث لم يكن الناس قبله يفكرون بمثل هذه الضلالة . فإذن حالة الشرك والوثنية والانحراف حالة طارئة وهي الحالة الناشئة عن التخلف والعزلة ونتيجة الفرار من نور الحق . هذا هو منهج القرآن في بيان هذه الحقيقة التي انحرف عنها الماديون المعاصرون ، الذين ظنوا أن الإنسان هو الذي يوجد معتقده ويطوره حسب مراحل حياته الاجتماعية وحسب وسائله المدنية التي يستخدمها في حياته المعاشية . إن هناك تباينا تاما بين الإدراك العقلي المستهدي بنور الوحي الإلهي ، وبين المدركات العقلية المستمدة من الأهواء البشرية .